الباحث: الركراكي دكداك
الجاذبية .....
لطالما لم ينتبه الناس لظاهرة
غريبة و لم يطرحوا سؤال، لماذا كل شيء له وزن يسقط و لا يرتفع في السماء ؟ إذا
كانت الأرض تجذب كل شيء فلماذا لا يسقط القمر على الأرض؟ أو لماذا لا تنجذب
الكواكب إلى الشمس ؟ .
كلها أسئلة غابت عن أذهان الناس
حتى جاء العالم الغريب الأطوار و الذي عاش حياة تعيسة في البداية ليعرض هذه
الظاهرة الى التمحيص و بدأ بطرح تساؤلات عديدة خصوصا عندما حدثت معه الواقعة
الشهيرة سقوط التفاحة على الأرض فطرح تساؤلا مباشرا لماذا سقطت التفاحة على الأرض
و لم ترتفع للأعلى ؟ ما الذي يجعلها تسقط و لا ترتفع؟ .
المقدمة
علم
الجاذبية من بين الظواهر التي شدت انتباهي و جعلتني اقرأ المزيد حولها و خصوصا ما
قام به مكتشف الجاذبية إسحاق نيوتن من أبحاث و تجارب و الغريب أنه وصل لما وصل
إليه فقط باستخدام القلم و الورقة و أدوات جد بسيطة لكنه استخدمها بعقله.
ظلت ظاهرة
الجاذبية أمرا غامضا لم يجرؤ أحد على سبر أغواره بل حتى طرح تساؤلات حولها حتى جاء
إسحاق الذي تميز في هذا الأمر رغم المنافسة الشرسة التي تعرض لها و خصوصا من بعض
الأعداء الذين أرادوا النيل من تجاربه، إضافة إلى هذا فنيوتن لم يقتصر على دراسة
علم الجاذبية فقط بل استعان بعلوم أخرى منها علم البصريات و الرياضيات .
في هذا المقال سأعالج هاته الظاهرة من زاوية علمية
محاولا شرحها بطريقة أكثر بساطة، معرجا على مختلف ما قاله العلم عن الظاهرة و كذا
ما رافق تحليل هاته الظاهرة من أحداث و تطورات في مجال العلم.
أتمنى لكم قراءة ممتعة .
---------------------------------------------------------------------
على مر السنين و
القرون، لم يتوقف الإنسان عن اكتشاف و استكشاف ما حوله من الظواهر التي تحدث في كل
لحضة، ومن بين هاته الظواهر ظاهرة الجاذبية.
لم يتم تحويل الأنظار إلى الجاذبية كعلم مهم
طيلة القرون ما قبل القرن السابع عشر، حتى مجيئ عالم يدعى إسحاق نيوتن ، الذي
تمكن من اكتشاف هاته الخاصية التي تتميز بها كافة الكواكب و النجوم و المجرات .
إسحاق نيوتن ولد سنة 1642م في إحدى المدن
البريطانية بعدما توفي أبوه قبل ولادته ب 3 أشهر، ولما ولد تركته أمه عند جدته
لتلتحق بالزوج الجديد، من هنا تبدأ معانات هذا العالم الذي تحدى رغبة أمه في أن
يترك الدراسة و يهتم بأمور المزرعة و خصوصا لما جاءه عرض من مدير المدرسة بأن
يعفيه من مقابل الدراسة الذي يدفعه كل من يقطن خارج منطقة تتبع لها المدرسة و هذا
بسبب نبوغه و تفوقه على أقرانه ، كما اختلف إسحاق عن بقية الأطفال حتى في طريقة
لعبه فهو كان يصنع لعبه من الأخشاب و يضل معتكفا على ذلك مستخدما معداته من مناشير
و أدوات كان يحتفظ بها.
لم تكتشف الجاذبية إلا بعد حدوث القصة الشهيرة قصة
التفاحة، فعندما كان نيوتن جالسا في حديقة البيت يتأمل كعادته، سقطت تفاحة على
الأرض ، فتبادر إلى ذهنه سؤال محير ، لماذا سقطت التفاحة و لم ترتفع إلى الأعلى؟
فظل عاكفا على الإجابة على هذا السؤال المحير .
و أثناء البحث عن الإجابة اعترضته أسئلة أخرى
أكثر تعقيد من الأول، إذا كانت الأرض تجذب كل شيء نحوها، فلماذا لا ينجذب القمر و
يسقط على الأرض كما سقطت التفاحة ؟
لماذا لا يسقط القمر ؟ و لماذا لا تتصادم الكواكب ؟ و لماذا لا تنجدب الكواكب نحو الشمس؟
القمرتابثا في مكانه هو دورانه حول الأرض فيصبح معرضا لقوتين
متساويتين، قوة جاذبية الأرض و القوة النابذة التي تدفعه بعيدا عن الأرض ، فلو
توقف القمر عن الدوران لجذبته الأرض نحوها ،نفس المبدأ ينطبق على دوران الأرض حول
الشمس فلولا دوران الأرض و الكواكب حول الشمس لجذبتهم الشمس جميعا لأنها أكبر
بكثير من كافة الكواكب ، و للإشارة فكلما كبر الكوكب أو النجم كلما كانت جاذبيته
أكبر .
وبعد بحث طويل
اكتشف أن كل جسم له وزن يوجد ضمن فضاء الأرض ينجذب إلىها، عكس الغازات و الأدخنة
التي تتصاعد في السماء لأنه ليس لها وزن و لها خصائص أخرى تختلف عن الأجسام.
هذا الجواب لم يكن
كافيا بالنسبة لنيوتن الذي ربط التفاحة بالقمر.
لماذا لا يسقط القمر ؟ و لماذا لا تتصادم الكواكب ؟ و لماذا لا تنجدب الكواكب نحو الشمس؟
تساؤلات عديدة
طرحها العالم الشاب ،ومن بين ما توصل إليه هي أن جميع الأجسام تنجذب لبعضها البعض
حتى الكؤوس على الطاولة بل و حتى الكائنات الحية فيما بينها، غير أن هذا الانجذاب
يكون طفيفا لا يؤثر و لا يمكن ملاحظته نظرا لصغر الوزن، و وجد أنه لكي يكون
التأثير بين الأجسام كبيرا يجب أن يكون للجسم وزن أكبر أو يساوي وزن الأرض .
أما عن سؤاله
لماذا لا يسقط القمر فقد اكتشف خاصية مصاحبة لهاته الظاهرة وهي القوة النابذة ،
هاته القوة التي لا تنتج إلا عند دوران الجسم ، يمكن تشبيهها بالقوة التي يحس بها
ركاب السيارة عند الانعطاف بسرعة كبيرة فلا يستطيعون التحكم في أجسامهم.
كما نعلم فالأرض تدور حول نفسها و القمر يدور حول الأرض ، و بالتالي ما
يجعل
إسحاق نيوتن كما
سبق وذكرت لم يكن مهتما فقط بعلم الجاذبية ، بل كان عالم رياضيات مذهل حيث عكف على
وضع ودراسة مجموعة من المعادلات و الدوال خصوصا اللوغاريتمية و التكامل، وذلك
للحاجة الماسة التي كانت تفرضها دراسة الجاذبية فبفضل هاته الحسابات الرياضية تمكن
من حل حسابات فيها قياسين مجهولين لم يكن ليحلهما لولا تطويره لهذا العلم،
فالجاذبية مرتبطة ارتباطا شديدا بشعاع الكوكب و كتلته و المسافة بينه و بين الجسم
المدروس و شدة ثقالته و السرعة الزاوية ، وفي كل حساب يجد أمامه مجهولين أو أكثر.
حتى اللحضة لا زال
علم الميكانيك و الرياضيات غير كافيين معا نظرا للحاجة إلى قياسات تجريبية أخرى،
هاته القياسات يلزمها معدات من نوع آخر.
علم البصريات ، هو
العلم الذي أبهر فيه نيوتن أعداءه قبل الأصدقاء،حيث كان أحد الباحثين يدعى هوك
يفند كل نظرية يضعها نيوتن .
بعد البحث و
التدقيق خرج نيوتن بنتيجة ، كون الضوء هو مجموعة من الألوان تتحد في بقعة واحدة
لتعطي اللون الأبيض و كل لون ينكسر بزاوية معينة بعد مروره بموشور زجاجي ولا يتغير
اللون، و هو عكس ما كان شائعا عن كون الضوء الأبيض ينكسر بعد مروره بموشور زجاجي
ليعطي ألوانا مختلفة وهي بدورها بعد مرورها بموشور آخر تنكسر ليعطي كل لون لونا
مختلفا عن الأول.
استمر نيوتن في
أبحاثه ، أراد صناعة منظار ليقوم بالحسابات اللازمة لدراسة الجاذبية، لكنه وجد
مشكلة في صعوبة صقل الزجاج ذو الحجم الكبير المستخدم في المرايا بأدوات بسيطة،
فبدأ يفكر في حلول أخرى.
توصل أخيرا إلى
خلط مجموعة من الفلزات و المعادن ليطلي بها سطحا معينا ليصنع به مرآة خصوصا أن سقل
المعادن أسهل بكثير من سقل الزجاج.
بعد مدة من البحث
و الاشتغال تمكن نيوتن من صنع منظاره الأول و الذي لم يكن قد صنع مثله من حيث
الأداء من قبل، المنظار الذي استطاع بواسطته أن يرى كوكب الزهرة و الأقمار الأربعة
التي تدور حوله، وهذا ما أسعده كثيرا غير أن عدوه في المجال قال بأنه كان قد صنع
منظارا أصغر بكثير من منظار نيوتن و له كفاءة أكبر لكنه لم يرد إخراجه للعلن مخافة
أن تتم سرقة الفكرة، و شكك في ما قاله نيوتن، هذا الخلاف سيتبدد فيما بعد.
اختلف نيوتن و هوك
حول طبيعة الضوء فهوك كان يقول بأنه ذو طبيعة موجية و نيوتن كان يقول بأنه عبارة
عن جسيمات دقيقة ، لكن لما تبين لنيوتن أن الضوء طبيعته موجية اعترف بشكل غير
مباشر لهوك عبر مقالة نشرفيها بحثا له، وهذا ما جعل هوك يشعر بالسرور لكنه استمر
باستفزاز نيوتن الذي قرر عدم الرد عليه بالمثل وقام بنشر مقال يشيد فيه بما وصل إليه
هوك من أبحاث و نظريات فكان هذا سببا في انطفاء نار العداوة و قررا أن يشعلا نور العلم
وليس النار.
توصل نيوتن في
النهاية باستخدامه لمنظاره الذي أشادت به عدة جامعات و مراكز بحثية عديدة ، إلى
قياس مجموعة من الأبعاد خصوصا المسافة بين الكواكب و الأقمار وبنى عليها فرضياته ،
ليصل إلى حساب شعاع الأرض و شعاع القمر و الجاذبية على كليهما، وذلك بفضل المعطيات
الأولية التي يتوفر عليها من بعد بؤري للمنظار و نسبة التكبير فيه.
كما أن نيوتن تمكن
من البرهنة على أن المد و الجزر تسببه القوة التي يطبقها القمر على الأرض وبما أن
البحر أكثر تأثرا بهاته القوة فإن ارتفاع المياه تتغير بتغير موضع القمر حول
الأرض.
بعد دراسة نيوتن
للجاذبية ، طرح تساؤلا آخر، كيف يمكن التحرر من الجاذبية الأرضية و الإنفلات خارج الأرض؟
هذا التساؤل وضع له فرضيات عديدة و من بينها افتراضه انه لو قمنا برمي قذيفة
بواسطة مدفع ضخم بزاوية معينة مع سطح الأرض تكون مناسبة
، ستتمكن القديمة من الانفلات من الجاذبية و تشكيل مسار دوران حول الأرض دون
السقوط عليها ،و هذا مافعله العلماء فيما بعد عندما قرروا غزو الفضاء فلو لاحظتم
فعملية إطلاق المكوك الفضائي تكون دائما عمودية في البداية لكنه ينحرف بزاوية
تجعله يصل لمساره المحدد في الفضاء و في حالة حدوث خطأ في التوجيه يقومون بتفجيره
لأنه لو استمر في ذلك المسار الخاطئ فإنه سيسقط على مكان ما من سطح الأرض و قد يسبب
خسائر أكبر.
-------------------------------
في الختام، ما تأكد
لي بعد قراءة جزء من سيرة نيوتن أن ما لا يدرك بالعلم يدرك بمزيد من العلم،
والتضحية في سبيل ذلك شرط أساسي ، فسقوط التفاحة جعل رجلا عبقريا يدرس عدة علوم
ليحقق ما يريد، فدراسته للجاذبية مكنت العلماء فيما بعد من اختراق الفضاء و
معطياته هي ما جعل الصواريخ تتحدى الجاذبية لتفلت من الأرض كما أن هاته الحسابات
هي ما جعل اليوم مئات الأقمار الإصطناعية تحافظ على مساراتها دون تصادم فيما بينها
و تمكننا من خدمات عديدة عسكرية ومدنية سهلت عملية التواصل بين أقطار الأرض.






